الشنقيطي
92
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بها محذوف ، وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف ، والتقدير كما ذكره : يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا . ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء ، ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب ؛ ومنه قول عنترة في معلقته : يا شاة ما قنص لمن حلت له * حرمت على وليتها لم تحرم يعني : يا قوم انظروا شاة قنص . وقول ذي الرمة : ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا * ولا زال منهلا بجرعائك القطر يعني : يا هذه اسلمي . وقوله تعالى : ما لِهذَا الْكِتابِ أي أي شيء ثبت لهذا الكتاب لا يُغادِرُ أي لا يترك صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً أي من المعاصي . وقول من قال : الصغيرة القبلة ، والكبيرة الزنى ، ونحو ذلك من الأقوال في الآية - إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر . وللعلماء اختلاف كثير في تعريف الكبيرة معروف في الأصول . وقد صرح تعالى بأن المنهيات منها كبائر . ويفهم من ذلك أن منها صغائر . وبين أن اجتناب الكبائر يكفر اللّه به الصغائر ؛ وذلك في قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] الآية . ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال : ضجوا من الصغائر قبل الكبائر . وجملة « لا يغادر » حال من « الكتاب » . تنبيه هذه الآية الكريمة يفهم منها - أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ؛ لأنهم وجدوا في كتاب أعمالهم صغائر ذنوبهم محصاة عليهم ، فلو كانوا غير مخاطبين بها لما سجلت عليهم في كتاب أعمالهم . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً [ 49 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أنهم في يوم القيامة يجدون أعمالهم التي عملوها في الدنيا حاضرة محصاة عليهم . وأوضح هذا أيضا في غير هذا الموضع ، كقوله : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] ، وقوله تعالى : هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ [ يونس : 30 ] الآية ، وقوله : يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ ( 13 ) [ القيامة : 13 ] ، وقوله : يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ( 9 ) [ الطارق : 9 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة - أنه لا يظلم أحدا ، فلا ينقص من حسنات محسن ، ولا يزيد من سيئات مسيء ، ولا يعاقب على غير ذنب .